مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

محمد الأبنودى

رئيس تحرير عقيدتي‏ في ‏دار الجمهورية للصحافة‏ عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس ‏اللغة العربية‏ في ‏جامعة الازهر‏  

الخط المفتوح

الموبايل .. واغتيال الانسانية!!!


منذ اختراع الموبايل.. هل انتهى عصر الإنسانية؟
عبارات عميقة وموجعة أطلقها قداسة البابا تواضروس الثاني في عظته الاسبوعية، حين قال: «منذ اختراع الموبايل انتهى عصر الإنسانية، وانحصرت المودة، وانتشرت الأنانية». كلمات قليلة، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتأمل في واقعنا الإنساني والاجتماعي، بعد أن أصبح الهاتف المحمول جزءًا لا ينفصل عن حياتنا، بل ربما أصبح في أحيان كثيرة أقرب إلينا من أقرب الناس!
لا أحد يستطيع أن ينكر ما قدمه الهاتف المحمول من فوائد هائلة، فقد اختصر المسافات، وسهّل التواصل، وجعل العالم كله بين أيدينا، وأتاح الوصول إلى المعرفة والخبر والمعلومة في ثوانٍ معدودة. لكن المشكلة لم تكن يومًا في الجهاز نفسه، وإنما في الطريقة التي استخدمناه بها، حتى تحول من وسيلة للتواصل إلى جدار صامت يفصل الإنسان عمن حوله.
كم من أسرة تجتمع اليوم حول مائدة واحدة، لكن كل فرد فيها يعيش في عالم منفصل، ممسكًا بهاتفه، يتابع ما يحدث على بُعد آلاف الكيلومترات، بينما لا يعرف ما يدور في نفس الجالس بجواره! وكم من زيارة عائلية فقدت دفئها، لأن العيون معلقة بالشاشات، والأصابع لا تتوقف عن التنقل بين التطبيقات، بينما تراجعت لغة الحوار والابتسامة والسؤال الصادق عن الأحوال.
لقد كان الناس في الماضي، رغم بساطة وسائل الاتصال، أكثر قربًا ومودة. كانت الزيارة لها قيمتها، والسؤال عن المريض واجبًا، ومشاركة الجار في أفراحه وأحزانه سلوكًا طبيعيًا، وكانت الجلسات العائلية فرصة للحوار والضحك واستعادة الذكريات. أما اليوم، فقد اختصر البعض كل هذه المعاني في رسالة قصيرة أو رمز تعبيري أو إعجاب عابر على مواقع التواصل الاجتماعي!
وهنا تكمن خطورة ما أشار إليه قداسة البابا تواضروس. فالتكنولوجيا التي كان يفترض أن تقربنا، أسهم سوء استخدامها في زيادة العزلة والانغلاق على الذات. أصبح البعض مشغولًا بتصوير اللحظة أكثر من الاستمتاع بها، وبإظهار حياته للآخرين أكثر من أن يعيشها فعلًا. وتسللت الأنانية الرقمية إلى حياتنا، فأصبح الإنسان يبحث عن عدد المشاهدات والإعجابات والمتابعين، وربما غفل عن مشاعر أقرب الناس إليه.
ولعل أكثر ما يدعو إلى القلق هو تأثير هذا الواقع على الأجيال الجديدة، التي نشأت في حضرة الشاشات، وأصبح بعضها يجد صعوبة في بناء علاقات إنسانية حقيقية، أو ممارسة حوار مباشر، أو تحمل الاختلاف، أو حتى الجلوس دقائق بعيدًا عن الهاتف.
إن عظة البابا تواضروس ليست دعوة إلى رفض التكنولوجيا أو العودة إلى زمن بلا هواتف، وإنما هي جرس إنذار يدعونا إلى استعادة التوازن. فالموبايل يجب أن يبقى وسيلة في أيدينا، لا أن نصبح نحن أسرى له. علينا أن نعيد للبيت دفئه، وللزيارة معناها، وللصداقة صدقها، وللجار حقه، وللكلمة الطيبة مكانتها.
التكنولوجيا تتطور كل يوم، وهذا أمر لا يمكن إيقافه، لكن السؤال الأهم: هل تتطور إنسانيتنا معها، أم تتراجع؟
نحن في حاجة إلى أن نرفع رؤوسنا قليلًا عن الشاشات، وأن ننظر في وجوه من نحب، وأن نستمع إليهم، ونسأل عنهم، ونشاركهم أفراحهم وآلامهم. فالعالم الافتراضي، مهما اتسع، لن يعوض أبدًا دفء يد تمتد بالمحبة، ولا حضنًا صادقًا، ولا كلمة مواساة تخرج من القلب.
لقد وضع البابا تواضروس إصبعه على جرح حقيقي في جسد المجتمع المعاصر: اتسعت شبكات الاتصال، لكن ضاقت مساحات التواصل الإنساني. ومن هنا تصبح استعادة المودة والرحمة والتكافل مسؤولية علينا جميعًا، حتى لا يأتي يوم نمتلك فيه أحدث وسائل الاتصال، بينما نفقد أغلى ما نملك: إنسانيتنا.